فخر الدين الرازي
155
تفسير الرازي
لا يخزى لأن صاحب الكبيرة مؤمن والمؤمن لا يخزى ، وإنما قلنا : إنه مؤمن لما سبق بيانه في تفسير قوله : * ( الذين يؤمنون بالغيب ) * ( البقرة : 3 ) من أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإنما قلنا : إن المؤمن لا يخزى لوجوه . أحدها : قوله تعالى : * ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) * ( التحريم : 8 ) . وثانيها : قوله : * ( إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ) * ( النحل : 27 ) . وثالثها : قوله تعالى : * ( الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ) * ( آل عمران : 191 ) إلى أن حكى عنهم أنهم قالوا : * ( ولا تخزنا يوم القيامة ) * ( آل عمران : 194 ) ، ثم إنه تعالى قال : * ( فاستجاب لهم ربهم ) * ( آل عمران : 195 ) ومعلوم أن الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض يدخل فيه العاصي والزاني وشارب الخمر ، فلما حكى الله عنهم أنهم قالوا : * ( ولا تخزنا يوم القيامة ) * ثم بين أنه تعالى استجاب لهم في ذلك ثبت أنه تعالى لا يخزيهم ، فثبت بما ذكرنا أنه تعالى لا يخزي عصاة أهل القبلة ، وإنما قلنا : إن كل من أدخل النار فقد أخزي لقوله تعالى : * ( ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) * ( آل عمران : 192 ) ، فثبت بمجموع هاتين المقدمتين أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار . العاشر : العمومات الكثيرة الواردة في الوعد نحو قوله : * ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ، أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) * ( البقرة : 4 - 5 ) ، فحكم بالفلاح على كل من آمن ، وقال : * ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) * ( البقرة : 62 ) . فقوله : * ( وعمل صالحاً ) * نكرة في الإثبات فيكفي فيه الإثبات بعمل واحد وقال : * ( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ) * ( النساء : 124 ) وإنها كثيرة جداً ، ولنا فيه رسالة مفردة من أرادها فليطالع تلك الرسالة . والجواب عن هذه الوجوه : أنها معارضة بعمومات الوعيد ، والكلام في تفسير كل واحد من هذه الآيات يجيء في موضعه إن شاء الله تعالى ، أما أصحابنا الذين قطعوا بالعفو في حق البعض وتوقفوا في البعض فقد احتجوا من القرآن بآيات . الحجة الأولى : الآيات الدالة على كون الله تعالى عفواً غفوراً كقوله تعالى : * ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون ) * ( الشورى : 25 ) وقوله تعالى : * ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) * ( الشورى : 30 ) وقوله : * ( ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام ) * ( الشورى : 32 ) إلى قوله : * ( أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ) * ( الشورى : 34 ) وأيضاً أجمعت الأمة على أن الله يعفو عن عباده وأجمعوا على أن من جملة أسمائه العفو فنقول : العفو إما أن يكون عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه أو عمن لا يحسن عقابه ، وهذا القسم الثاني باطل ، لأن عقاب من لا يحسن عقابه قبيح ، ومن ترك مثل هذا الفعل لا يقال : إنه عفا ، ألا ترى أن الإنسان إذا لم يظلم أحداً لا يقال : أنه عفا عنه ، إنما يقال له : عفا إذا كان له أن يعذبه فتركه ولهذا قال : * ( وأن تعفوا أقرب للتقوى ) * ( البقرة : 237 ) ولأنه تعالى قال : * ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ) * ( الشورى : 25 ) ، فلو كان العفو عبارة عن إسقاط العقاب عن التائب لكان ذلك تكريراً